ابن قيم الجوزية
26
الوابل الصيب من الكلم الطيب
والطباع . فهذا القلب للشيطان فيه مطمع ، وله منه منازلات ووقائع ، ويعطي الله النصر من يشاء { وما النصر إلا من عند الله العزيز الحكيم } وهذا لا يتمكن الشيطان منه إلا بما عنده من سلاحه ، فيدخل إليه الشيطان فيجد سلاحه عنده فيأخذه ويقاتله ، فإن أسلحته هي الشهوات والشبهات والخيالات والأماني الكاذبة ، وهي في القلب ، فيدخل الشيطان فيجدها عتيدة فيأخذها ويصول بها على القلب . فإن كان عند العبد عدة عتيدة من الإيمان تقاوم تلك العدة وتزيد عليها انتصف من الشيطان ، وإلا فالدولة لعدوه عليه ولا حول ولا قوة إلا بالله . فإذا أذن العبد لعدوه وفتح له باب بيته وأدخله عليه ومكنه من السلاح يقاتله به فهو الملوم . فنفسك لم ولا تلم المطايا ومت كمداً فليس لك اعتذار ( خلوف فم الصائم ) عدنا إلى شرح حديث الحارث الذي فيه ذكر ما يحرز العبد من عدوه : قوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ « وأمركم بالصيام فإن مثل ذلك مثل رجل في عصابة معه صرة فيها مسك فكلهم يعجب أو يعجبه ريحه ، وإن ريح الصيام أطيب عند الله من ريح المسك » إنما مثل صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذلك بصاحب الصرة التي فيها المسك لأنها مستورة عن العيون مخبوءة تحت ثيابه كعادة حامل المسك ، وهكذا الصائم صومه مستور عن مشاهدة الخلق لا تدركه حواسهم . والصائم هو الذي صامت جوارحه عن الآثام ، ولسانه عن الكذب والفحش وقول الزور ، وبطنه عن الطعام والشراب ، وفرجه عن الرفث . فإن تكلم لم يتكلم بما يجرح صومه ، وإن فعل لم يفعل ما يفسد صومه ، فيخرج كلامه كله نافعاً صالحاً ، وكذلك أعماله فهي بمنزلة الرائحة التي يشمها من جالس حامل المسك ، كذلك من جالس الصائم انتفع بمجالسته وأمن فيها من الزور والكذب والفجور والظلم . هذا هو الصوم المشروع لا مجرد الإمساك عن الطعام والشراب ، ففي الحديث الصحيح « من لم يدع قول الزور والعمل به والجهل فليس لله حاجة أن يدع طعامه وشرابه » وفي الحديث « رب صائم حظه من صيامه الجوع والعطش » . فالصوم هو صوم الجوارح عن الآثام وصوم البطن عن